الجمعة، 1 مارس، 2013

في حضرة الطير..



في ذاكرتي المُتعبة حكايات.. أسْتحضِرُ اليوم منها حكاية..
يُحْكَى أن أخي كان يعشق تربية الحمام.. فجهّز ذات يوم مكانا كبيرا على سطْح بيتِنا، خصَّصَ بيوتا صغيرة لكل زوْجٍ من الحمام.. واشترى عددا منها..
كنت أحبو حينها إلى السادسة أو السابعة من عمري، لا أذكر تقريبا.. لكن ما أذكره أن أقْصى لحظاتِ سعادتي آنذاك هي حين أجلس قرب أخي وأراقبه كيف يعتني بهذه المخلوقات الجميلة..
 مَنَحْتُ لكل منها أسماء خاصة، وبدأنا نناديها بها، وأصبحْتُ أقْضي جُلّ يومي قُرْبها، صَخَبُنا وشقاوتُنا الصغيرة انْتَقلتْ إلى سطح بيتنا.. كُنا نبتهج كثيرا ونقيم هرجا ومرجا عندما نكتشف بيضة أو بيضتين في عُشّ ما.. أما حين تَفْقِس ونرى كائنات صغيرة بريش أصفر.. فكنا نقيم حفلا من الصراخ في أرجاء البيت ..
عَشِقْتُ صغار الحَمَام.. فعوّضني عالمُها عن عالم البشر.. أحْسَسْتُ فيه بالأُلفة، بالحُب.. مُجتمعٌ مُنظّم، بيوتٌ متراصّة.. الكل ينام في وقت واحد، يستيقظ في وقت واحد.. يعيشون في انسجام تام بِغضّ النظر عن اللون والعرق والجنس..
لا مكان للحقد في قلوب الحمام، قلوبهم كُلها بيضاء، حتى عندما يتخاصمون ويتناوشون، ينْسَوْن خُصوماتهم بعد مدة قصيرة، فتعودُ حياتهم لما كانت عليه.. الأم والأب يتناوبان على رعاية البيض ثم الصغار بعد ذلك..
         لم أسمع صراخا لأنثى تُوبّخُ زوجها على عدم اهتمامه بالأبناء.. أو تقصيره في أداء واجباته !..
لم أسمع صراخا لذكر على أُنْثاه يدّعي أن رعاية الأطفال واجبها.. أما هو فسيكتفي بالتجوال على أسطح البيوت علّه يُصادف حمامة أجْمل يرْحَلُ معها!
الحمائم كانت جميلة، بشكلها.. بعيونها الواسعة، بريشها المتناسق، بمشيتها الواثقة، أحْبَبْتُ فيها كل شيء حتى تمنّيتُ لوْ أنَّ هناك وصفةً سِحْرية تجعلني أتحَول لحمامة، كما قرأتُ في إِحْدى القصص العجائبية.. لأعيش بينهم ..
 ذات صباح اسْتفقتُ على خبر مؤلم.. كان وجه أخي مُمْتقِعاً حين أخبرني أنه وجد حمامة ميتة.. إنها "حَنُّونَة" كما كُنا نناديها.. طلبتُ منه أن يُريني إياها لأَسْألها لماذا ماتت.. رفض مدعيا أنه دفنها.. أين لم يقل، كيف ماتت لم يقل.... حزنتُ كثيرا.. كانت أُولى علاقاتي بالموت..فلم أفهم معناه ..سوى أنني لن أرى بعد اليوم "حنُّونة"..
تذكّرتُ جمال ألوانها، كانت هادئة أكثر من باقي الحمام.. مُسالمة، حنونة، وربما لذلك أطلقنا عليها هذا الاسم..
كان صعبا أن أفتقد كائنا أحْببتُهُ في عمر لا يتجاوز بضع سنين.. صَعدْتُ لقفص الحمام، وجدت الذكر جالسا وحيدا في عُشهما، وفي عينيه نظرات هائمة.. أردت أن أحْتضِنهُ وأقول له كلاما كثيرا.. لا أتذكّرُ هل بَكيْتُ فعلا أم أني اختزنْتُ دموعي، لأن الحياة بعد ذلك تطلّبَتْ مني دموعا كثيرة..
كنت أودُّ أن أقول له أني أيضا أفتقدُ حنُّونة.. وأني أحببْتُها كثيرا.. وأني أتأسّفُ كثيرا لأني لم أقل لها ذلك.. تخيّلتُها في حجمي .. وتمنّيتُ لو أنها عانقَتْني بجناحيها قبل أن تُسافر.. لأغوصَ في ريشها الناعم.. تخيلتُني أُسافرُ معها كطائر الرُخّ العملاق في رِحْلاتها البعيدة.. تَخَيّلْتُني أتَشبّتُ بعنُقِها وطَوْقِها الجميل.. فتمضي رٍحْلاتنا اللاّمتناهية بين السحاب.. في رِحْلة كرِحْلات السندباد البحري الذي طالما اسْتَهْوتني مغامراته.. تمنيتُ لو أني أًتقنً لغة الحمام لأقوله كل هذه الأشياء..
مَرّ يومٌ ويومان.. مكاني كان قرب قفص الحمام، وعيني على عُشٍ يجلسُ فيه ذكر الحمام وحيدا.. لم أفهم لماذا اعتزل مجتمعه الجميل، ورفض الخروج للطعام..
لم أفهم كثيرا ما وقع آنذاك.. كان أخي قلِقا بدوره، وهذا الطائر يرفض الطعام والشراب.. رأيت أخي يحمله بين يديه ويحاول يائسا إطعامه بالقوة بِضْع حبّات قمح.. كان المنظر غريبا..
هل حقا هذا الطائر بلغ به حُبه لأنثاه.. وحُزنُه لفُقدانها لهذه الدرجة التي تجعلُه يُفضِّل الموت جوعا على مواصلة الحياة..؟ هل يوجد هذا الحُبّ بين الحيوانات؟ !هل يوجد هذا الوفاء؟؟
لقد رفض فعلا أن يُعَوضَها بغيْرِها.. و رفض أن يعيش بَعْدها..
بعد أيام قليلة وجدناه مَيِّتا في عُشه.. هذا العُش الذي جمعهما.. لقد أقْسَم هذا العاشق أن لا يترُكه إلّا لِيلْحَقَ بمحْبوبَتِه..
الحكايات الجميلة تنتهي سريعا ودون أن نُدرِك..بدمعة. فمنذ ذاك اليوم لم أجرُؤْ على الاقتراب من هذا المُجْتمع المثالي الطاهر.. فانتهت حكاية جميلة..
حُزني كان أقوى من أن أنساه وأتعايش معه كأن شيئا لم يكن.. وقلبي الصغير كان أضعف من أن يحتمل جُرعة أكبر من وفاءٍ أو نُبل.. فقرّرتُ ألا أشهد قصة وفاء أخرى..
لاحقا ستُعلّمُني الحياة دروسا كثيرة.. قاسية لكن مهمة.. منها أن الوفاء عُمْلة نادرة.. الأغبياء والسُّذّجُ..  والحمام هُمْ من يَحْتفظون بها..
عندما كبُرت، كلما صادفت خيانة ما بين البشر.. أتذكر قصة هذا الطائر الذي اختار أن يموت وفاءً وعِشْقاً.. فَتـُشرَعُ في ذاكرةِ قلْبي نافذةٌ من المشاعر المهولة من الحنين الممزوج بألوان البراءة.. لِيذْرفَ نبْضي دموعا من زُهيـْراتِ الوفاء النادرة..

هناك 10 تعليقات:

  1. لم أحكي لك قصتي مع الحمام الأبيض

    كنت مربية حمام كذلك ... عالم نقي ... نقي لدرجة لا تحتملها نفوسنا، لأننا عندما نقترب من البياض نعرف كم نحن متسخون ...

    شديدة الاخلاص لأحبتي، أظن أنني اكتسبت هذه الخصلة من سنوات تربية الحمام

    عندما رأيتك لأول مرة كنت سأسألك إن كنت تحبين الحمام ... لا أعرف لماذا


    كنت هنا مثال

    نصك رائع ... رااائع جدا

    ردحذف
  2. أسلوب رائع و منمق راقتني كثيرا دام لك الألق غاليتي

    ردحذف
  3. ضربتي على الوتر الحساس صعب جدا ان نجد حبا من هذا النوع الا و يكون من طرف واحد يكتب له العذاب ، لا يعيش و لا يموت .
    اسلوب رائع اخدتني لاعيش معك احلى لحظات طفولتك
    بالتوفيق

    ردحذف
  4. عالم الحمام عالم صافي، عالم مسالم، وهكذا يبدو لنا من الخارج ربما.
    لكن سيكون لي تعليق على السرد الجميل الذي أخذني بعيدا، وأهداني هذا الإحساس الممتع، ولحظة من التأمل العميق.

    تحيتي

    ردحذف
  5. لاليور دو لاطلاس: بي شوق أن تحكي لي عن قصتك مع الحمام، في انتظار ذلك دمت نقية ناصعة البياض كهذا العالم النقي الطاهر..

    leila shadin1: شكرا ليلى على مرورك ومتابعتك.. أنت الأجمل

    رشيد أمديون. أبو حسام الدين: شكرا أستاذ على تعليقك الذي أفخر به، عالم الحمام يدفعنا للتأمل، فما أحوجنا لعالم مثل هذا..

    ردحذف
  6. راقية دائما يا مثال، الان فهمت لماذا يحب الاطفال تربية الحمام، لانه عالم ابيض، بريئ براءة الاطفال لكن سرعان ما نكبر ونكتشف خيباتنا..

    ردحذف
  7. كانت لدينا حمامة على الشجرة في منزلنا
    عشقتها طفلتي ويوميا تناد حمامة .. حمامة
    ويوم ما قررت الرحيل فهي لم تكن في قفص
    ولا مقيدة .. اختارت الرحيل بنفسها فحزنت
    صغيرتي لرحيلها وظلت تهتف كلما خرجت لفناء
    البيت : حمامة .. حمامة بحرف الهاء بدل الحاء


    رقيق حرفك وهو يحكي
    بارك الله فيك ووفقك

    ردحذف
  8. khawla mohamad31: حفظ الله لك ابنتك كما يحفظ الطير في السماء.. أكيد أن البراءة تلتقي مع البراءة، وأكيد أن طفلتك أحبت الجانب الملائكي فيها
    سررت بمرورك :)

    ردحذف