الأحد، 5 يناير 2014

في ذكرى سقوط غرناطة: عن حي البيازين.. أُحدّثُكم..



يقول أبو البقاء الرندي تحسرا على سقوط غرناطة:

لكل شئ إذا ما تم نقصان     فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول    من سره زمن ساءته أزمان


محاضراته هو لم تكن كغيرها من المحاضرات، تغيب ابتسامتي ، وأضع يدي على قلبي وأنا أنصت لكلماته، كان يحدث ويتحدث بقهر أحيانا وبغضب أحيانا، ولا يبتسم إلا نادرا عندما يتذكر تاريخ الأندلس المشرق، صوته كان يرتفع أحيانا وينخفض أحيانا أخرى، حتى يجف حلقه فيبحث عن كوب ماء ينجده به أحد الطلبة..
كانت مادته هي الوحيدة التي تجعلني أقف مشدوهة أمام حقائق تاريخية صادمة، بقدر استمتاعي بالمواد الأخرى التي تحكي عن الثقافة والفنون الأندلسية والمعمار والتأثير الحضاري على البحر الأبيض المتوسط، وتحملني في سفر جميل إلى عالم الجمال والرقي، حيث كنا وكنا...
كانت مادته تصيبي بالرعب.. أرتعب قبل دخولي الحصة وأتساءل ترى ماذا سيحكي لنا اليوم؟؟ مادته "تاريخ الأندلس" لم يكن فيها مجال للحلم، كانت صامتة قاسية توقظني من حلمي الفردوسي الجميل قائلة.. هذا هو التاريخ، هذا ما فعلوا بهم.. هذا ما جرى هناك للأندلسيين للموريسكيين للمدجنين مهما اختلفت أسماء الشعوب الضعيفة !.. انتفضوا، قتلوا، هُجّروا، نُقضوا عهودهم، سرقوا أبناءهم، سرقوا أموالهم وأراضيهم، بُقِرت بطونهم في رحلاتهم نحو وطن مجهول، فاستقبلوا استقبال الغرباء.. !
حدثنا أستاذي الجليل -أطال الله عمره- الدكتور محمد رزوق، مرة في إحدى محاضراته عن تاريخ الأندلس عن حي البيازين.....  أعتق الأحياء في غرناطة..
لا يزال حى البيّازين إلى اليوم أكبر أحياء غرناطة ما زال محتفظاً بسائر دروبه الأندلسية الضيقة وأسراره، ومنازله شوراعه الضيقة المتقاطعه لازالت محتفظه بطرازها الاندلسى العريق  ..
يقع حى البيازين فى الشمال الشرقى لغرناطة تجاه قصر الحمراء و يفصله عن القصر نهر حدرُة ، وفى حى البيازين ثلاثة من أبواب غرناطة الإسلامية ما زالت قائمة ، و هى باب البيازين ،و باب فحص اللوز، و باب الزيادة. 

و قد حوّل المسجدان الكبيران اللذان كانا بحى البيازين أيام المسلمين إلى كنيستين – كغيرهما من المساجد في سائر التراب الأندلسي- كنيسة "سان سالفادور" و كنسة "سان خوسيه" 
  القليلون هم من يعرفون أن حي البيازين يعتبر أول مكان انطلقت منه شرارة ثورة البيازين الشهيرة سنة 1499..وتأتي هذه الثورة غداة فرض الأسبان ضرائب جديدة باهضة على المسلمين -بعد أن نقضوا المعاهدات التي اتفقوا عليها- ومنذ دخول الإسبان غرناطة تم توزيع مساحات شاسعة من الأراضي والأملاك الأندلسية على النبلاء الإسبان، ليصبح ملاكوها الأصبلون (المسلمون) مجرد أتباع للنبلاء، إضافة لمعاملتهم معاملة سيئة نتيجة لثوراتهم المتتابعة.
وفي عام 1498 قام الإسبان بعزل العناصر الإسلامية من مجتمعهم، وهذا مما زاد الحماس والغضب في نفوس المسلمين للثورة.
         لكن القليلون هم من يعرفون السبب الرئيسي لثورة البيازين الكبرى، والذي كان سببه هو اعتداء أحد خدم سيسنروس على ابنة مسلم من أصل إسباني في ساحة باب البنون في حي البيازين، فهب المسلمون في ثورة عارمة لنجدة الفتاة.. وسارت حشودهم نحو بيت الكاردينال قرب قصر الحمراء للقضاء عليه، معتبرين أن هذه الحادثة كانت من تخطيطه،فاحتمى الكاردينال في بيت حاكم مدينة غرناطة  "الكونت دي تنديا" وقد أقنعه بإرسال حملة كبيرة تبيد الثوار المسلمين في البيازين عن آخرهم، وقد واجهها المسلمون بشجاعة نادرة، وكاد الأمر يتطور لولا وساطة مطران غرناطة الذي أقنع المسلمين بعقد اتفاقية سلم تحترم بمقتضاها الوعود السابقة.
كان من نتائج انتفاضة البيازين الكبرى أن ثار إخوانهم في منطقة "البِشَرات" الواقعة جنوب غرناطة، أرسل على إثرها الإسبان حملة لإخمادها، حيث قامت بقتل جميع سكان قرية "غويخار-سيرا" ونَسَف "الكونت ليرين" مسجدا مليئا بالنساء والأطفال، وقد عبر النصارى عن موقفهم في كون الأندلسيين ليسوا سوى عبيد وأتباع ورقيق.
وُوجهت حملة التقتيل البربرية هذه بمقاومة عنيفة ومستميتة من الثوار، انتهت أيضا كمثيلتها بالبيازين بمعاهدة "كاذبة" تعهد فيها الملكان الكاثوليكيان بالوفاء ببعض شروط استسلام غرناطة التي نقضوها سابقا..

أنت يا من زرت حي البيازين، أو يا من سيزوره يوما.. وأنت تتجول بين دروبه تذكر أن شعبا عظيما لازالت جذوره هناك، اختلطت دماؤه بالتراب الذي تمشي عليه، وسقت أشجارا يستظل بها المارون كل يوم..
         بعيدا عن الحلم هناك تاريخ لا يمكن أن نتجاهله أو يتجاهله الآخر، تاريخ دم، وقتل، وانتهاك، وتشريد.. فلماذا سنصالح؟..
لا أجد أجمل من هذه الأبيات لأختم :

"نهرا غرناطة.. واحد من دمع وآخر من دم
آه من الحب الذي طارت به الريح
في مياه غرناطة لا مجاذيف سوى الزفرات
آه من الحب الذي ذهب ولم يعد"
                                        لوركا


هناك تعليقان (2):

  1. عبدالرحيم الحمصي5 يناير 2014 5:34 ص

    شكرا لك سيدتي مثال هذا الاستحضار التاريخي لفردوس فقدناه بجهلنا . محبتي و تقديري الحمصي

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا أستاذي الفاضل على المتابعة وعلى دعمكم، هذا ليس شيئا غريبا على فنان ومبدع مثلكم :)

      حذف