الجمعة، 17 أغسطس، 2012

الحب الإلهي.. محراب القلوب الولهة ( في حلقات)

في الأناشيد الصوفية، المحبة محنة! (الحلقة الأولى) 
لا يختلف اثنان في أن أغلب أناشيد الصوفية تدور حول الحب والمحبة، فالحب هو الأول والآخر في حياة أولئك الناس، وقد نادوا منذ ظهورهم بالحب وتغنوا به في أشعارهم، متأثرين بذلك بالروائع الخالدة من قصائد العشق والغرام التي خلفها التراث العربي.
وقد شكل الحب الإلهي موردا ثريا نهل المتصوفة من حياضه كؤوس العرفان، وذاقوا حلاوة الأنس فيه، وتحدثوا عنه طويلا وما استطاعوا أن يحددوه، فهذا الموضوع شائك وشاسع، يحمل في طياته، رمزا صوفيا خالصا، فالحب عبارة عن نسمة تهب في قلب العاشق المحب. فأبو القاسم النصر آبادي يقول فيه: « المحبة والمحنة نقطتان مقرونتان، ما المحنة بعين المحنة وعين المحبة! فينبغي للمحب أن ينظر إلى المحنة بعين المحبة، حتى تصح له المحبة.. فالمحبة نار حطبها أكباد المحبين... والخوف نار، والحب نور، ولا تكون أبدا نار بلا نور».
هكذا يصور النصراباذي الحب، إنه محنة، ونار ومعاناة؛ وهذا ما عاشه المتصوفة على مر الأزمان، إلا أن حبهم كان مرتبطا بالله سبحانه لقد ذابوا عشقا وحبا في خالقهم، فعبروا عن هذا العشق بأروع الأشعار.
أعظم حب في الدنيا هو حب الله ورسوله..
الحب الإلهي عند الصوفيين ينطوي على جوانب عديدة قد تبدو لنا غريبة، إلا أنها تأخذ باللب وتثير المشاعر، وتعبر عن شعور صادق وإحساس مرهف عميق، فمعنى الحب الحقيقي الصادق هو "أن يكون القلب كسيرا ينزف دما، فالمتعة والعذاب يكمنان في المعايشة الصوفية جنبا إلى جنب، ويرتبط أحدهما بالآخر ارتباطا لا يقبل الانفصام.
وقد صور الشعراء الصوفيون هذه المعاناة والمكابدة، واصفين كمال الحب الالهي الذي يضطرم في قلوبهم نارا محرقة، تهد أجسادهم وتستهلك قواهم، فعن ذي النون ينشد:
أموت وما ماتت إليـك صبابتــي           ولا قضيت من صـدق حبك أوطاري
مناي، المنى كل المنى، أنت لي مني         وأنت الغنى كل الغنـى، عند إقتـاري
وأنت مدى سؤلي وغايـة رغبتـي            وموضع آمالـي ومكنـون إضمـاري
تحمل قلبـي فيـك مــالا أبثـه             إن طال سقمي فيك أو طال إصراري
يبدو إذن أن هذا اللون من الحب، لم يكن من السهل ولوج عالمه، والارتفاع إلى مستوى معاينته وتمثله من قبل الزهاد والصوفيين والمحبين، إلا بعد ابتلاء طويل وتجارب قاسية يتعرض فيها المتصوفة في البداية إلى معاناة الحب الإنساني حتى تحتدم به عاطفته، فيكون التحول إلى حب أسمى هو الحب الإلهي. والانتقال من حب الجمال إلى التصوف معقول، ولاسيما في حالة الحرمان من المحبوب، والحرمان قد يكون من آثار التصوف والتجمل والعفاف، ثم يصير بأصحابه إلى الضعف فلا ترى منهم غير الأنين والحنين.
كما اتخذ الصوفيون من الحب دينا لهم، كما يقول ابن عربي:
أدين بدين الحب أنى توجهت          ركائبه، فالدين ديني وإيماني.

هناك تعليق واحد:

  1. ما انكر عنهم الا ضال او حاسد فهم القوم لا يشقى جليسهم قط وما عرفنا الطريق الى الله الا بهم رضي الله عنهم وارضاهم وحشرنا الله في زمرتهم يكفي بهم ولا يكفى عنهم

    ردحذف