السبت، 18 أغسطس، 2012

الحب الإلهي.. محراب القلوب الولهة ( في حلقات)

الحلقة الثانية:   الحب لأجل الحب.. لا خوفا ولا طمعا..
يَا حاضِراً في فُؤادي             بِالفكرِ فِيكمْ أطيبُ 
إِنْ لمْ يزُرْ شخصُ عيني        فالقلبُ عِندي ينُوبُ 
مَا غِبتُ لَكِنَّ جِسْمي             من النُّحول يذوبُ 
هكذا تغنى الصوفي أبو الحسن الششتري..إنه شعر ناتج عن تجربة صادقة ونفس فياضة اتصلت بخالقها، فتلقت الحقائق الإلهية التي لم تجد فرصة للتعبير عنها إلا بمشاعر راقية وروح تذوب في محبوبها وخالقها، اتخذه الشاعر الصوفي وسيلة للتعبير عن حبه الإلهي، فتجلت في شعره العاطفة الصريحة المتدفقة.
المؤمن العادي يحب الله، ويطيعه ليدخل الجنة ويسلم من النار، لكن الصوفية يرون أن هذا الحب تغلب عليه صفة النفعية،  لذا فقد رأوا أن يجردوا الحب من الصفة النفعية فيجعلوه خالصا لذات الله، بغض النظر عن رجاء الثواب، والخوف من العقاب، وهذا السمو الروحاني عاد على الأدب بأجزل النفع، فقد رويت عن المحبين أبيات على جانب عظيم من الجمال، مثل:
لما علمت بأن قلبـي فـارغ          ممن سواك ملأتـه بهواكـا
وملأت كلي منك حتى لم أدع          مني مكانا خاليـا لسـواكـا
فالقلب فيك هيامـه وغرامـه         والنطق لا ينفك عن ذكراكـا
والطرف حيث أجليه متلفتـا           وفي كل شيء يجتلي معناكـا
والسمع لا يصغي إلى متكلـم         إلا إذا ما حدثوا بحـــلاك
هذه هي حقيقة الحب الصوفي إذن، أنه حب إلهي، إحساس جارف وشعور غالب من العسير أن يعبر المحب عنه أو أن يحدده، حب يؤدي إلى الفناء في حب الله، والتوحد في الذات الإلهية، ومن عشق الذات العظمى لا يهدأ أبدا، فنفسه مستهامة قلقة، وتطلعه إلى نور الله مستمر.
وتعبر السيدة رابعة العدوية عن هذا المعنى فتقول: "إلهي، إذا كنت أعبدك رهبة من النار، فأحرقني بنار جهنم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنة فاحرمنيها، وأما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك، فلا تحرمني يا إلهي من جمالك الأزلي".
وقد كانت رابعة هي أول من دعا إلى حب الله لذاته، لا لرغبة في الجنة، ولا لخوف من النار، فتقول:
كلهم يعبدون من خوف نـار  ويرون النجاة حظا جزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا بقصور ويشربوا سلسبيلا
ليس لي في الجنان والنار حظ  أنا لا أبتغي بحبي بديـلا
ويقول ابن عربي في الحب الإلهي:
ذبت اشتياقا ووجدا في محبتكم          فآه من طول شوقي، آه من كمدي
        يدي وضعت على قلبي مخافة أن
   ينشق صدري لما خانني جلدي
         مازال يرفعها طورا ويخفضها  
  حتى وضعت يدي الأخرى تشد يدي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق